محمد متولي الشعراوي

3151

تفسير الشعراوى

فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ ( من الآية 17 سورة الرعد ) ومن العجيب أنه سبحانه جعل المثلين في الماء والمضاد له وهو النار ، فالماء يأتي بزبد وغثاء يطفو على المياه ، وكذلك النار حين ندخل فيها المعادن . ومن رأى الحداد ينفخ في كيره على قطعة من الحديد يرى الخبث ، والمواد الغريبة الممتزجة بالحديد والتي تنفصل أثناء الصهر عن الحديد ليصير صافيا . إذن فهناك زبد في الحديد تخرجه النار عند صهره ، وزبد يطفو فوق الماء . وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ ( من الآية 17 سورة الرعد ) ولهذا نرى الباطل وقد أتى عليه زمن ليطفو فوق السطح ، ويخرج الخبث طافيا على أصيل الحديد . لكن أيظل الباطل كذلك ؟ يطمئننا الحق أنه يحمى الحق فيقول : فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ( من الآية 17 سورة الرعد ) وحين نرى الباطل وقد طفا على السطح نفاجأ بعد وقت من الزمن أن الزبد ينتهى ويصبح الماء صافيا ، وكذلك الزبد الذي يطفو على الحديد ، ينفضه الحديد ليبقى صافيا . فإذا رأينا الباطل مرة يعلو ، فلنعلم أنه لا بقاء لهذا العلو ؛ لأن ما ينفع الناس يمكث في الأرض . ولماذا لا يعلن الحق عن نفسه من البداية ؟ أراد اللّه ذلك ليجعل الباطل من جنود الحق ، ولو لم يعض الباطل الناس ويتعبهم أيتجهون إلى الحق ؟ لا ؛ لذلك كان لا بد أن يأتي إليهم الباطل ويتعبهم ليبحثوا عن الحق . وهكذا نرى الباطل كجندى من جنود الحق . وضربنا المثل من قبل وعرفنا أن الألم عند المريض من جنود العافية ، فلولا ذلك الألم لاستشرى الداء دون أن يشعر المريض ، فكأن الألم يلفته إلى موضع الداء ويدفعه للبحث عن وسائل الشفاء . وبذلك يتعرف على حلاوة العافية .